الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
255
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
صدر المسجد وقعدت في زاوية طاويا رجلي في ذيلي وقلت في نفسي : لا أخرج لطلب القوت أصلا ولو مت من الجوع . فحصلت لي نسبة قوية في ذلك الحال حتى لم يبق فيّ ميل إلى الطعام ، فجاءني شخص لم أره قبل قط ووضع بين يدي قطعة من سكر أبيض يزيد على رطلين وانصرف من غير تكلم ، فو اللّه لقد سرني رجوعه بلا كلام ومن غير إشغالي بنفسه أزيد من إتيانه بالسكر . * رشحة : قال : وقع لي تعلق الخاطر بغلام صاحب جمال حين اشتغالي في صحبة مولانا وقويت رابطة المحبة له حتى أخط خيال جماله بمجامع قلبي ولم يبق فيّ علاقة بغيره ، وبلغ الأمر بالتدريج حدا لم يبق التوجه الظاهري أيضا إلى الشيخ ، بل كنت مأنوسا ومألوفا بنفس حرقة القلب بمحبته . فتركت ملازمة مولانا في تلك الأيام بالكلية استحياء منه أن أجلس في حضوره بهذه الصفة وبلغت الدهشة والوحشة من مولانا مرتبة إذا رأيته كنت أفر منه وأختفي في زاوية ، وكنت منه في غاية الخجالة والانفعال ، لكن لم يكن لي من عشق ذلك الغلام صبر ولا قرار ولا مجال . وكنت مرة أمشي في بعض الأزقة فرأيت حضرة مولانا قد ظهر مقبلا عليّ اتفاقا ولم أجد مفرّا منه ومهربا ، فتوقفت بغاية الخجالة ونهاية الانكسار مطرقا رأس الخجالة نحو الأرض ومجريا عرق الحيرة من جبيني في الطول والعرض . فجاء عندي ووضع يده المباركة على صدري وأنشد هذا البيت : [ شعر ] إلى كم يكون الصد عن صادق الود * فهل لك مني دائم الدهر من بد والتفت إليّ في هذا المحل بحسب الباطن فانمحى عشق الغلام عن خاطري بالتمام وانقطعت رابطة المحبة عنه ، وانتقلت إلى حضرة مولانا . * رشحة : قال : كان في ملازمة مولانا شاب رياضي من أهل تاشكند ، وحصلت له أيضا علاقة المحبة بغلام ، واستولى العشق المفرط على باطنه وكان بحيث إذا حصّل شيئا من النقود أو غيرها مما يتحف به بكمال المذلة وغاية المسكنة ، كان يرميه على ممره ويقعد في الكمين لئلا يأخذه غيره إلى أن يمر به هذا الغلام ويأخذه . ولم يكن يظهر له نفسه في هذا المحل ولا يعمل شيئا يكون سببا لاطلاعه على تلك القضية . ولما وقفت على هذا الحال ، قلت له : يا هذا تحصّل شيئا يسيرا بمحنة كثيرة وترميه على ممر هذا الغلام وهو غير مطلع على ذلك ، فأي فائدة لك فيما هنالك ! فهلا أظهرت له نفسك وأطلعته على ما نثرته من نقدك حتى لا